🔴 العودة "إلى المدارس".. مقياس خفي لصحة الاقتصاد الأميركي

نشر
آخر تحديث
العودة للمدارس.. AFP

استمع للمقال
Play

اقرأ في هذا الملف:

 ▪️ إنفاق قياسي وسط قلق اقتصادي متزايد؛ الأسر تنفق أكثر لكنها تخشى تدهور الاقتصاد.

 ▪️ انقسام واضح بين الأسر؛ أصحاب الدخل المرتفع يقتصدون اختيارياً، والمنخفضون يقتصدون اضطرارياً.

 ▪️ الأطفال أصبحوا طرفاً مؤثراً في الشراء؛ خصوصاً عبر العلامات الرائجة ومنصات التواصل.

 ▪️ تباين كبير في الإنفاق على التكنولوجيا؛ اختلاف التوقعات يعكس تعقيد احتياجات الأسر والمدارس.

 ▪️ الشراء المبكر أصبح تحوطاً من التضخم والرسوم الجمركية؛ وموسم المدارس بات مؤشراً على ثقة المستهلك.


تخيّل أمًّا تقف أمام رفّ الحقائب المدرسية في متجر تجزئة كبير، هاتفها في يد، وحاسبة الأسعار الذهنية تعمل في الأخرى، بينما ابنها يشير إلى حقيبة بعلامة تجارية رآها على "تيك توك"، وهي تنظر إلى حقيبة أرخص بثلث الثمن، تحمل شعاراً لماركة غير معروفة على نطاق واسع.

هذا المشهد المرتبط بقرار شرائي عابر، والذي ربما يتكرر هذا الصيف في كثير المتاجر الأميركية، يعد أحد المقاييس غير الرسمية لحالة الاقتصاد الأميركي؛ ذلك أنه حين تبدأ الأسر بالتفكير مرتين قبل شراء ممحاة، فتلك إشارة تستحق قراءة متأنية أبعد من أي مؤشر.

الأرقام هذا العام تحكي قصة متناقضة بعمق: إنفاق قياسي من جهة، وقلق اقتصادي متصاعد من جهة أخرى.

أربع مؤسسات مختلفة، فوربس وديلويت والاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة (NRF) وبرايس ووترهاوس كوبرز (PwC)، رصدت الظاهرة نفسها من زوايا متعددة، فخرجت بأرقام متباينة أحياناً، لكنها تتفق جميعاً على خلاصة واحدة: الأميركيون ينفقون أكثر، ليس لأنهم أكثر ثراءً، بل لأنهم أكثر خوفاً من الغد.

الثابت الوحيد عبر كل المسوح هو المزاج العام. فبحسب مسح ديلويت للتسوق للعام الدراسي 2026، يعتقد 57% من المتسوقين أن الاقتصاد سيواصل التراجع. وهذا الرقم وحده يفسّر كثيراً مما سيأتي لاحقاً من سلوكيات: البحث المحموم عن الخصومات، والشراء المبكر، والاكتفاء بما هو ضروري فقط.

اقرأ أيضاً: الدين العام الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار لأول مرة

لكن حين يتعلق الأمر بالأرقام الفعلية، تتفرق المصادر؛ فبينما يقدّر الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة حجم سوق مستلزمات طلاب رياض الأطفال حتى الثانوية (K-12) بنحو 43.3 مليار دولار، ترى ديلويت أن الرقم لن يتجاوز 30.4 مليار دولار، أي بانخفاض 6% عن العام الماضي. ويشار إلى أن الفجوة بين التقديرين ترتبط بالمنهجية بحد ذاتها؛ ذلك أن ديلويت أجرت مسحها في مايو/ آيار على عينة أصغر، بينما وسّع الاتحاد الوطني عينته في يونيو/ حزيران ليشمل تأثير موجات التخفيضات الكبرى مثل "برايم داي" و"سيركل ديلز" الخاصة بمتجر تارغت.

الفارق يتكرر في مستوى الإنفاق الفردي أيضاً، فتقدّر ديلويت متوسط الإنفاق بـ557 دولاراً لكل طفل، بينما يرفعه الاتحاد الوطني إلى 863.86 دولارًا لكل أسرة، وترفعه PwC أكثر إلى 922 دولاراً في المتوسط المتوقع لكل ولي أمر. ثلاثة أرقام لظاهرة واحدة، لكنها ليست متناقضة بقدر ما هي زوايا مختلفة لعدسة واحدة: من ينفق أكثر، وعلى ماذا، ولماذا؟


العودة للمدارس.. متوسط الإنفاق المالي لكل طفل:

▪️ ديلويت (Deloitte): تُقدّر متوسط الإنفاق بـ 557 دولاراً لكل طفل (بينما يصل لدى فئة "الباحثين بشدة عن القيمة" إلى 610 دولارات لكل طفل، أي أعلى بنسبة $14\%$ من المتوسط العام).

▪️ الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة (NRF): يُقدّر متوسط الإنفاق بـ 863.86 دولاراً لكل أسرة.

▪️ برايس ووترهاوس كوبرز (PwC): تُقدّر متوسط الإنفاق المتوقع بـ 922 دولاراً لكل ولي أمر.


اقتصاد الطبقتين.. من يقتصد بدافع الرفاهية، ومن يقتصد بدافع الضرورة؟

أكثر ما يستحق التوقف عنده في هذه البيانات بخلاف حجم الإنفاق، هو من يقف خلف كل رقم؛ فالصورة التي ترسمها فوربس دقيقة: الأسر ذات الدخل المرتفع تُقلّص إنفاقها على الكماليات طواعية، بينما تُصارع الأسر منخفضة الدخل ارتفاع الأسعار اضطراراً. الفارق بين الحالتين هائل، رغم أن النتيجة الظاهرية واحدة: تقليص الإنفاق.

هذا الانقسام يتجسد بوضوح في بيانات الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة، والتي تشير إلى أن 52% ممن يقل دخل أسرهم عن 50 ألف دولار سنوياً يخططون لشراء "ما يكفي لبدء العام فقط" بدلاً من تغطية احتياجات العام كاملًا، ارتفاعاً من 45% في العام السابق. هذه ليست استراتيجية توفير بقدر ما هي إدارة أزمة سيولة شهرية، تُرحّل فيها الأسر النفقات بدلًا من تجنبها، على أمل أن يتحسن الوضع المالي لاحقًا في العام.

في المقابل، يظهر مفهوم لافت في مسح ديلويت: "الباحثون بشدة عن أفضل قيمة" (hyper-value seekers)، وهم فئة تمثل 31% من المتسوقين، يعتمدون على أربع وسائل توفير أو أكثر في آن واحد.

والمفارقة أن هذه الفئة، رغم هوسها بالتوفير، تنفق فعلياً أكثر من غيرها: 610 دولارات لكل طفل، أي أعلى بنسبة 14% من المتوسط العام. وهذا يكشف عن سلوك استهلاكي متطور لا علاقة له بالبساطة: الأسرة التي "تتقن" فن الخصومات ليست بالضرورة الأقل إنفاقًا، بل غالبًا الأكثر وعيًا بالقيمة مقابل السعر، وبالتالي الأكثر استعدادًا لإنفاق مبالغ أكبر حين تشعر أنها "ربحت الصفقة".



الأطفال كصانعي قرار.. حين يتحول الإنفاق إلى مفاوضة عائلية

من أبرز الزوايا التي كشفها استطلاع PwC، هو الدور المتصاعد للأطفال أنفسهم في قرار الشراء، إذ لم يعد الطفل مجرد مستفيد سلبي من ميزانية العائلة، بل بات طرفاً فاعلاً يكتشف المنتجات عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويبني "قوائم أمنيات" رقمية تنتقل مباشرة إلى سلة الشراء الإلكترونية لوالديه.

الأرقام تؤكد هذا التحول: 32% من الآباء يقولون إن أطفالهم يطلبون تحديداً منتجات من علامات تجارية معروفة أو رائجة، فيما يشير 26% إلى ضرورة تحديث الأجهزة التقنية لأطفالهم. وهذا يعني أن التسوق المدرسي لم يعد مهمة لوجستية بحتة (كراسات، أقلام، حقيبة)، بل تحوّل إلى "حدث موسمي" بمنطق يشبه سوق الأزياء أكثر مما يشبه سوق القرطاسية، بحسب وصف الاستطلاع نفسه.

الأرقام تدعم ذلك بوضوح: تنفق ثلاث من كل أربع عائلات 100 دولار على الأقل على الملابس والأحذية وحدها، بمتوسط 278 دولارًا للأسرة، أي أكثر من ضعف ما تنفقه على اللوازم المدرسية التقليدية.



التكنولوجيا.. ساحة الخلاف الأكبر بين المصادر

إذا كان هناك بند واحد يكشف حجم عدم اليقين في السوق هذا العام، فهو الإنفاق على الأجهزة التقنية. وهنا تتضارب المصادر بشكل لافت: ديلويت تتوقع تراجع الإنفاق على تحديث الأجهزة بنسبة 16% بين أسر طلاب K-12، معتبرة أن الأولوية تحوّلت نحو الملابس (التي ارتفع إنفاقها 22% لتعويض التلف). في المقابل، يتوقع الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة اتجاهًا معاكسًا تمامًا: ارتفاعًا في الإنفاق على الإلكترونيات لدى طلاب المدارس والجامعات معًا. أما PwC فتضع الأجهزة التقنية في مرتبة قريبة جدًا من الملابس من حيث الكلفة: 222 دولارًا للأسرة مقابل 278 دولارًا للملابس، مع الإشارة إلى أن استخدام المدارس المتزايد للأجهزة داخل الفصول يجعل هذا البند أقرب إلى "إلزامي" منه إلى "اختياري".

هذا التناقض يعكس واقع مركّب؛ قرار شراء جهاز لوحي أو حاسوب محمول بات مرتبطًا بعوامل لا علاقة لها بالرغبة الاستهلاكية، مثل متطلبات المدرسة نفسها، وعمر الجهاز الحالي، ومدى تحمّله الاستخدام اليومي، وهي عوامل تتفاوت بشدة من ولاية لأخرى ومن مدرسة لأخرى، ما يجعل التوقع الوطني الموحّد لهذا البند تحديدًا أقل دقة من غيره.



سباق مع الرسوم الجمركية.. لماذا بدأت الأسر التسوق في يونيو بدلاً من أغسطس؟

من اللافت أيضاً في بيانات الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة توقيت الشراء نفسه. فقد بدأ 26% من المتسوقين مشترياتهم المدرسية والجامعية بحلول أوائل يونيو هذا العام، ارتفاعاً من 22% العام الماضي، ومقارنة بـ17% فقط في عام 2019.

هذا الانتقال التدريجي نحو الشراء المبكر وبما يمثل من تغيّر في العادات الاستهلاكية، يعد استجابة مباشرة لتوقعات ارتفاع الأسعار لاحقاً بسبب الرسوم الجمركية، إذ يتوقع 76% من المتسوقين ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية هذا العام.

بمعنى آخر: الأسر الأميركية لم تعد تتسوق وفق التقويم الدراسي، بل وفق تقويم السياسة التجارية. صار "الشراء المبكر" استراتيجية تحوّط اقتصادي مصغرة يمارسها المستهلك العادي، تمامًا كما يفعل المستثمرون حين يشترون قبل توقع ارتفاع الأسعار. وهذا يعيد تعريف موسم "العودة إلى المدارس" من حدث موسمي ثابت التوقيت، إلى نافذة زمنية متحركة تُحدَّد بمنطق المضاربة الدفاعية أكثر مما تُحدَّد بموعد افتتاح الفصل الدراسي.



اقرأ أيضاً: تآكل المدخرات الأميركية يثير المخاوف.. الإنفاق يتجاوز نمو الدخل للشهر الـ12 على التوالي

مؤشر استهلاكي أم مؤشر نفسي؟

وحين توضع كل هذه الخيوط جنباً إلى جنب: القلق الاقتصادي العام، الانقسام الحاد بين الدخل المرتفع والمنخفض، صعود "الباحثين عن القيمة"، تنامي نفوذ الأطفال في القرار الشرائي، التذبذب في إنفاق التكنولوجيا، والسباق مع الرسوم الجمركية، تظهر صورة أوسع من مجرد "موسم تسوق". هذه البيانات، في مجملها، تقرأ كمقياس حراري مصغر لثقة المستهلك الأميركي، ربما أدق من كثير من المؤشرات الرسمية، لأنها تقيس سلوكًا فعليًا لا مجرد إجابات على استبيان تصورات.

واللافت أن الإنفاق الإجمالي مرتفع رقمياً، لكنه ليس مؤشر ثقة بقدر ما هو مؤشر ضرورة: أسر تنفق لأن أطفالها يحتاجون فعليًا إلى ما تشتريه، لا لأنها تشعر بارتياح تجاه المستقبل الاقتصادي. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين "إنفاق قياسي" و"اقتصاد قوي"؛ فالأول قد يكون، كما تشي هذه الأرقام، عرَضًا لقلق عميق أكثر منه علامة على رخاء.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة